بعد أن سحبت الولايات المتحدة، عبر مبعوثها توماس باراك، دعمها من قوات سوريا الديمقراطية، وعزلتها عمليًا عن التحالف الدولي في محاربة الإرهاب، واستعاضت عنها بحكومة الجولاني ذات الجذور الإرهابية، دخلت غربي كوردستان – المسمّاة زورًا شمال وشرق سوريا – مرحلة انهيار سياسي وأمني خطير. لم يكن هذا التحول خطأً تكتيكيًا ولا سوء تقدير عابر، بل قرارًا واعيًا أعاد فتح أبواب الفوضى، لا بين الكورد والعرب كما يُروَّج، بل داخل البنية السنية العربية نفسها، بما ينذر بصراع داخلي قد يتفجر قريبًا على هيئة حرب أهلية.
إن تعويم تنظيم يحمل أيديولوجيا تكفيرية متطرفة وتقديمه بديلاً عن مشروع مدني، ليس فقط خيانة لضحايا الإرهاب، بل تهديد مباشر لأمن المنطقة والعالم. فهذه المقاربة لن تحرق سوريا وحدها، بل ستصدّر الفوضى إلى أوروبا، وتعيد الإرهاب إلى أبواب الولايات المتحدة نفسها، عاجلًا أم آجلًا. وقد بدأت نتائج هذا المسار تظهر من خلال تصدعات داخلية، وانقلاب بعض العشائر العربية التي كانت توصف بالحياد، لتلتحق بحكومة الجولاني والتنظيمات التكفيرية في مواجهة مفتوحة مع قوات قسد، في مشهد يعيد إنتاج أسوأ سيناريوهات ما بعد 2011.
وانطلاقًا من هذا الواقع، ومن موقع فكري وسياسي عام، ومع التحفّظ الكامل على الخوض في الشأن الميداني أو التفاصيل الداخلية التي لا تتوافر لي الإحاطة الدقيقة بها، أقدّم ما يلي بوصفه رؤية سياسية عامة تهدف إلى الإسهام في توضيح البوصلة الوطنية والقومية، لا إلى إصدار أحكام أو التدخل في مسارات داخلية.
أولًا:
إصدار بيان سياسي واضح يعلن حلّ (قوات سوريا الديمقراطية) بصيغتها الراهنة، مع التأكيد في المقابل على أن القوة التي تتولى مسؤولية الدفاع عن المنطقة، وعن كوباني على وجه الخصوص، هي (وحدات حماية الشعب) و(وحدات حماية المرأة). وهي ذاتها القوات التي دافعت عن كوباني عام 2014، ودحرت تنظيم داعش، وكتبت واحدة من أنصع صفحات الدفاع عن الأرض والكرامة، لا بوصفها قوة عابرة أو ظرفية، بل كقوة انبثقت من صلب المجتمع الكوردي. كما يجدر التأكيد اليوم على أن هاتين القوتين تحتضنان في صفوفهما مقاتلين من مختلف المكونات السورية غير الكوردية، بما يعكس طابعهما الدفاعي والمجتمعي غير الإقصائي.
ثانيًا:
رفع علم كوردستان إلى جانب علم الإدارة الذاتية، بحيث يُفهم الأول بوصفه علم كوردستان، والثاني بوصفه علم الإطار السياسي الحزبي، على غرار اللوحات والرموز التي ملأت جغرافية كوردستان وشوارع العالم.
وهي رسالة مزدوجة موجهة إلى الداخل والخارج معًا، ما يُدافع عنه اليوم ليس مشروعًا فئويًا، بل جغرافية وديمغرافية غربي كوردستان. فالصراع بات أوضح من أن يُموَّه، وقد جرى، للأسف، دفعه، بدعم من توماس باراك وحكومة الجولاني، من كونه صراعًا سياسيًا وعسكريًا، من أجل قضية قومية، إلى صراع بين شعبين، الكوردي والعربي، مع تغذية دور المجموعات السنية المتطرفة، واستقطاب شرائح من العشائر التي كانت يومًا جزءًا من منظومة البعث، لتجد نفسها اليوم في أحضان السلطة الجديدة.
ثالثًا:
فتح الباب، دون قيود أو اشتراطات، أمام دخول بيشمركة روج إلى غربي كوردستان بوصفهم أبناء الوطن، لا كقوة وافدة. خطوة من شأنها نزع الذرائع التي تُروَّج حول مشاركة قوات من جنوب كوردستان، وتكريس البعد الوطني الجامع للدفاع عن الأرض.
رابعًا:
إصدار موقف سياسي واضح يميّز بين مسارين، الحوارات الجارية مع دمشق، وهي حوارات تُدار على أساس الواقع العسكري والإداري القائم، وبين ملف الحقوق القومية للشعب الكوردي، الذي يجب أن يكون حصرًا من اختصاص الهيئة الكوردية المنبثقة عن مؤتمر قامشلو. وبذلك، تتصدر مخرجات المؤتمر المشهد السياسي، وتتحول إلى المرجعية التمثيلية في أي حوار يتعلق بالحقوق والمستقبل السياسي.
خامسًا:
الإفراج عن سجناء الرأي، والسياسيين، والإعلاميين، إن وجدوا، وكل من لم تثبت بحقهم جرائم جنائية. فالحرية ليست ترفًا في زمن الأزمات، بل شرطٌ أخلاقي وسياسي لتكريس الثقة الداخلية.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
27/1/2026
More Stories
وفد من «الوطني الكردي» في دمشق للقاء الشرع والشيباني
لقاء دمشق يفتح نافذة جديدة : ENKS للشيباني
اجتمع الرئيس مسعود بارزاني، اليوم الاثنين، في بيرمام، مع وفد رفيع المستوى من الإطار التنسيقي، ضمّ كلاً من محمد شياع السوداني، رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية، وهادي العامري، الأمين العام لمنظمة بدر، ومحسن المندلاوي، رئيس ائتلاف الأساس، وعباس راضي، الأمين العام للإطار التنسيقي.